
حسن حميد - أعترف أنني من الذين يخافون اللغة، فاللغة أشبه بالكمين، أو بالمرأة الجميلة المغوية، فغاية الكمين أن يوقع الناس فيه، تماماً مثل تلك المرأة في ألف ليلة وليلة التي سلبت شهريار وأخاه خاتميهما لتضيفهما إلى خواتم عديدة سلبتها من آخرين دون أن تتعرّف، أو أن يهمّها أن تتعرف، إليهما إن كانا ملكين أو دون ذلك!
اللغة كمين، وما من أحد يقع في الكمين إلا وقد عاش لحظة الغفلة، وما من أحد يُغوى فيصاب بلوثة الخدر إلا عندما يتجرد من كلِّ أسلحته طواعيةً.
..لكن ما الحيلةُ، وما المداورةُ اللتين على الكاتب أن يتعلمهما لكي تنقاد إليه اللغة؟! في وهمي لا سبيل إلى هذه أو تلك سوى عشق اللغة، والبيات الأبدي على أشواق تعدُّها الذاتُ الموهوبةُ لها. فاللغة لا تنقاد لمرسلها إلا عندما تتيقن من حضور الموهبة، والعشق، والأشواق.. وقد أخذها مرجلُ اليقظةِ حيناً، ومرجل الخيال حيناً آخر.. لتصير اللغةُ أشبه بالفراش الذي يحوّم في فضاءات تدرك بالحدس لا بالحواس! عندئذٍ تصيرُ اللغةُ عند الكاتب الحاذق عروساً.. كيفما نظرتَ إليها، ومن أي جهة كانت، تشعر بأن رسول القيافة جلاها بعد أن مسّها بعصا النورانية والضياء، وبعد أن شقّقَ جمالَها فاستحالت إلى بقع الأرجوانِ المحلومة.. لتغدو، من بعدُ، روحاً، وإن على يباس، وريانةً، وإن على عطش، ومدهشةً، وإن على اعتياد، وسرّانية، وإن على بدوٍ، ورضيةً، وإن على نشوز، وجديدة، وإن اخترمها القدم.. لتنفذ، بعد مغالباتها إلى صياغةٍ.. فيها روحُ الكاتب ورتبتُه، وإيقاعُه.. الأشبه بالوشم!
لم أسع خلال جولاني في عوالم الكتابة، وتنقلي بين كتابة الشعر، والقصة القصيرة، والرواية، والدراسات الأدبية إلى أن أختار لغة خاصة بي، ولم يكن يخطر ببالي أن أوجد أسلوباً مميزاً يشير إليَّ. ما سعيتُ إليه هو أن أوجد خصوصية لكتابتي، وليس للغتي، وذلك عن طريق أمرين اثنين هما، الأول: تخيُّر موضوعاتٍ تجسدها جزئيات صغيرة، تكون لمواجع الناس فيها الحظوة الأكبر. والثاني: تطعيم الجنس الأدبي الذي أكتبه بما يثريه من طعوم الأجناس الأدبية الأخرى. لكن هذا السعي نحو الخصوصية لم يتولد عبر هاجس داخلي أو استبطان معرفي عشته، وإنما تولّد من خضم الآراء التي قيلت حول كتابتي. فحين كنتُ أكتبُ الشعر لاحظ كثيرون أن ما يقربُ قصيدتي إليهم ليس صورها الشعرية، ولا موضوعاتها، أو تقنياتها.. وإنما هو خيط السرد الخفي الذي يجمعها؛ لذلك نصحوني بكتابة السرد. وحين كتبتُ السرد، انتبه النقاد إلى الشعرية التي تتخفى في بنية السرد.. كالعروق!
الآن،
وحين ألتفتُ إلى الوراء، أرى كمّاً عديداً من سنوات المشاغلة الأدبية، وأعي مراحل ومحطاتٍ وبقعاً أرجوانية عشتها.. كلّها لم تمكّني من الاهتمام باللغة الاهتمامَ الذي أتمناه.. لقناعتي أن اللغة كائنٌ مشتق من الخرافة يحتاج إلى أمور عديدة، لعل في طالعها.. العشق؛ فعشقُ اللغة هو الذي يجعلها خاصيةً لكاتب دون آخر، ومطواعةً، ومؤانسةً، وممتعةً.. لكاتب دون آخر أيضاً! عشق اللغة هو الذي يمايزها بالحفاوة والذي يسيّجها بالانتباهات العميقة، وهو وحده الذي يمحو لوثة المشابهة والمماثلة! ولولا العشقُ، أيُّ عشقٍ، لكان الناس جميعاً في الدنيا سواء؛ ولولا عشق اللغة.. لكانت اللغةُ الخرافية بطيوفها المتعددة.. كائناً واحداً وإن تغيّرت أثوابه. إن المماثلة والمشابهة في اللغة حالة اضطهاد حقيقي للقرائين، والكتّابِ، وأنصارِ المعرفة.
قلتُ، لم أهتم باللغة، كما يقتضي العشق من العاشق، ذلك لأنني عشت جروحاً كثيرة، استنبتها ألمٌ عظيم، كانت سمتها الأولى ولاداتها الفاجعة دوماً؛ تلك الجروحُ هي التي طوت عوالمَ الهدأةِ، والتأملِ، وقيافةِ اللغة لأنها كانت بحاجة إلى المباشرة الأولى عبر أيّ اللغة، أو أيّ أسلوب، لضبط نزيفها الذي بلّل البيوت، والأمكنة، والمواقيت بالأحزان الجليلة. في لحظات الألمِ المديدةِ التي ليس بمقدور أيٍّ كان أن يفكر عميقاً باللمسات الجمالية التي تعقب الجروح؛ في تلك اللحظات يكون المرءُ بكليّته مهموماً بضبط إيقاع الحياة داخل حديقة الجسد لكي يظلّ نشيد المعنى مسموعاً وواضحاً على الرغم من سطوة طقوس الحزن المتوالدة دوماً.
أمام هذه الحال، كيف للكاتب، أي كاتب، عرف الجروح والفواجع حتى غدا جزءاً منها أن يريث اللغة ويساهرها (بالعودة إلى المعاجم).. لكي تصفو، وهو يكتبُ عن مخيم فلسطيني يعيش فيه الناس كالطيور اكتظاظاً، وفراراً، وقلقاً، وحذراً.. مخيم لا تحتمل جراحُهُ، ولا بكاءُ نسائه، ولا عويلُ أطفاله.. أيَّ طيف من طيوف الاستمهال أو الإرجاء؛ ذلك لأن المطلوب، في وقت ليس هو وقت البشر، كدتُ أقول: ليس هو وقت الطبيعة البشرية أصلاً، هو الإخبارُ، وتجسيد الحالات، ورسم المشهديات عبر لغة طارئة، ميزتُها الأساسية.. الارتجالُ، والمبادرة، والمشاركة، وكأن اللغة تصيرُ لغةَ عزاء، أو كائناً شريكاً في العزاء.
ولكن الداهش حقاً، وحين ينظرُ المرءُ إلى لغة تلك النصوص التي حبّرت التراجيديا الفلسطينية يتمثل في أن الحزن مسَّ اللغةَ بحرائقه لكي تحفظَ فواجعُهُ في إناء الزمن كالنقوش. لغة بسيطة، عادية.. لا صور فيها، ولا خيال. لا انزياحات ولا إيهام.. ومع ذلك تظلُّ كالمرايا تبدي المواجعَ، وتحفظ معانيها ودلالاتها على الرغم من كرِّ الأيام وتتابعها، وذلك لأن الحزن طوى لوثةَ الآنيةِ والانطفاء بعدما أمدها بروح الأزلية.
لقد أحسستُ ووعيت بأن أبناء المخيمات الفلسطينية مصابون بمرض القلق والحنين. يخافون في وقت طمأنينة الناس، يخشون ما لا يخشى، ويتحسبون مما لا يتحسبُ الخلقُ له. نساؤهم، في الفواجع يرقصن من الألم مثل الطيور، يرسمن أقفاصاً للتنفس في منفسح الهواء الحزين!
هذا القلق، وذلك الحنين أصابا اللغة بالعطش، إذْ لا شيء في لغة النص المكتوب عن المخيمات يعادل في أهميته أهميةَ القلق والحنين. لغة قلقة، موجعة بقلقها، تورّثُ القلق للآخرين بالعدوى، فلا يحدُّ من فورتها النافرة سوى الحنين!
..بسبب من هذه الحال الطارئة في المخيم (كمكان) وفي الوقت (كزمان)، وفي العيش (انتظاراً لحلم سيدنو) نهضت لغةٌ طارئةٌ مشتقةٌ من غربة المكان، والزمان، والعيش.. لغة عطشى تعرفُ معنى الرواء ولكن لا ترتوي، ولغة عجلى تعرف معنى التأمل ولكن تظلُّ عند التخوم، ولغةٌ صباحية تعرفُ حرائق الصحف.. وبها تستطلي كالفراش. لغة لا تودُ الاعترافَ بعثراتها، كما لا تودُ التوبة لأنها هي برلمان الناس، وهي الروح الأخرى المشتقة من الألم العظيم!
ليس هجاءً للغة الطارئةِ إن قلتُ إنها أشبه بدلو لا قاع له، وليس مديحاً لها إن قلتُ إنها كتابُنا. إنها أشبه بالأشجار البعيدة عن الدروب التي لا أحد يفيء إلى ظلالها لكي يدركَ سمو وقفتها الباهرة. وأشبه بالأشجار المثمرة التي لا مواسم لها.
قبل ربع قرن من لحظتنا الراهنة هذه، وددت مؤاخاة اللغة فذهبت إليها في معاجم العرب، ولم أعد منها إلا بالحكايات والأخبار وموضوعة الاشتقاق، ثم ذهبتُ إلى أشعار العرب فحفظتُ منها الكثير ولكن زادي ظلّ مقصوراً على موضوعة الخيال. وعبرت إلى مدونة السرد فمايزتُ ما بين الكلام الرواء، والكلام العطش. أوغلت في كتب الأسلاف حتى كدت أغرق فيها، لكنني وفي لحظة واحدة انتبهتُ إلى أن حياةَ أبناء المخيمات، وأحداثهم، وحالات الرتق اليومي لحياة ما عادت ثوباً أصلاً.. لا تناسبها قيافة اللغة، ولا صورها، ولا مرايا المجاز.. وقد غدت رقعةُ المقابرِ أكثر اتساعاً من رقعة البيوت، البيوتِ التي تبيتُ الليلَ وحيدةً على الطرقات. وغدا الحزن قفصاً كبيراً لخلق كثيرين؛ أما الليل فهو مسودةٌ أولى وأخيرة لنهاراتٍ مطفأة!
وخلال بحثي عن أسرار اللغة لم أغفل عن أمرين جوهرين، أعدهما مشيمةَ النصوص الكبرى، أولهما: الخيال، فلا حياة باقية للنصوص من دون ثيمة الخيال، فالخيال وحده هو المتن الذي يبقي النصوص ويحفظها نقشاً على يد الزمن. والخيالُ هو الحقيقة التي تدفع عن النص شبهة الانفعال، والعادية، والنفاد. وللخيال لغته، ومنطقُهُ.. لذلك توجهتُ -ومنذ وقت مبكر- إلى هذه الجزئية المهمة من مشيمة النصوص، عنيتُ الخيال، لقناعتي بأن من يودّ الكتابة عن المخيمات وأهلها، وأوجاعها المتناسلةِ دوماً، وأحلامها المتشظيةِ، هو الأحوج إلى لغة الخيال التي يحلو للبعض أن يسميها بنار الأدب، لكي يشوي بها موهبته، ونصوصه استجابةً لنداءاتِ عالمِ الألمِ، وممالكِ الأسرارِ المحجوبةِ بالأسى!
أقول هذا.. لأن كتابة الواقع واسترداده عبر لغة قصيةٍ عن طيوف الخيال، يعني موات النص واللغة معاً لأن الباكين، والجرحى، والثكالى، والأيتام، والمعطوبين، لا يريدون رؤيةَ صورهِم المجرّحةِ والرثةِ في مرايا الأدب، وإنما يريدون إدراكَ المعنى الذي يتخطفهم ولو للحظات إلى الضفة المشتهاة.
وثاني الأمرين الكبيرين، وأنا أتحدث عن مشيمة النصوص، هو الأسطورة بوصفها ركناً مكيناً يجلو لنا غوامضَ العالم، وأسبابَ الصيرورات.. فاحتفيت بلغة الأسطورة التي تسيلُ منها الأنهارُ، والجداولُ، والسواقي.. وقد أحاطت جوانبها أشجارُ الصفصاف، والخروب، وأجماتُ القصبِ، وحولها توازعت النساءُ المكانَ.. غناءً، وشروداً، وانتظاراً لمواعيدَ أخلفتها المواقيتُ مراراً. وطيُّها تدور موسيقى لطيور أسكرتها الطمأنينة الشاسعة.
شعرتُ أن هذه الأرواح والكائنات هي الأقدرُ على توليدِ لغةٍ آتيةٍ من فيء الأسطورةِ.. لكي ينفرَ الكاتب عن مماشاة اليومي كي لا يقع في مربع الإهمال، أو في مربع قول القول.. ليس غير!
كتبتُ بلغة لم أَتقصد الأنوثة فيها عن النساءِ اللواتي يأتين إلى نهر الأردن المقدس لكي يغتسلن بالملح والنعناع البري ليلاً حتى تكونُ أقمارُ السماء بدوراً.. لكي تمتلئ الأرحام بالأحلام. يخرجن ليلاً وحيدات في منفسح طويلٍ عريض يماشين النهر كما يماشين الأماني بأثوابهن البيض حتى ليظنّ الرائي إليهن أنهن أسرابُ أوز أبيض ينتشر قرب أجمات القصب، والسعد، والحلفا، والبربير.. يوقدن الشموع ويثبتنها على قطع خشبية صغيرة ويناولنها للنهر الذي يجري بها.. فتجري أوعيتُهن في اللهوات في فضاء يغدو مع ضوء القمر، والشموع، والثياب البيض.. فضةً من ليل.
لم أتوخَّ جمالَ اللغة، ولا الشعرية فيها. فحالُ الأسطورة، أو قل سطوتُها هما من أوجد اللغةَ الأنثوية، فباتت الأدبيةُ الظلَّ الذي تمشي فيه السطور.
ما من شيء جعلني أنجو من لغةِ الإنشاء، وترادف المعاني، وغموضِ الكلام سوى هذين الأمرين، الخيال بروحه المحومة أبداً، والأسطورة، هذا الطائر الخرافي الكبير الذي يحيط بالزمن على الرغم من تضخمه الموحش.
وفي ظني، أن عصارةَ الألم هي التي جعلتني ألجأ إلى لغة الخيال (استباقاً)، وإلى لغة الأسطورة (استرجاعاً) من دون أن أبتعدَ عن الدروب التي يمشي فيها الخلق الذين أعرفهم بعدما اكتوى قلبي بجمرة أحزانهم الكبيرة.
دائما،
كنتُ، وسأظلُّ، بعيداً عن اللغة التي لا تؤاخي الطبيعةَ، والناسَ، والحياةَ، والهمومَ.. خشيةَ الوقوعِ في زخرف الإفصاح المجاني، أي الزخرف الذي يدللُ على براعات لا يقتضيها النص، لهذا أظن أنني تلميذٌ خائب لأحد أساتذةِ مدونةِ السردِ العربيةِ، عنيتُ الحريري في مقاماته الشهيرة. وأظن أن نفسي كذلك حين لم أتعلم شيئاً من كتابة الرافعي، والمنفلوطي!
..ولعلي سأظلُّ بعيداً عن اللغة العاديةِ.. لهجةً كانت أو بساطة، كدت أقولُ تبسيطاً لأن اللغة العاديةَ لا تكفل للمبدع رتبةً أو مقاماً يدلل من خلالها على امتلاكه ما لا يمتلكه غيره من سحرِ اللغةِ، وسلطتها، وسطوتها.. أيضاً.. لأن اللغة زمرةٌ دمويةٌ خاصةٌ بالكاتب الحاذق.
وبعد، أخلص إلى معنى لا بدَّ من توكيده هو أن الأدب المتحدر من عالمي الخيال والأسطورة، هو أدبٌ رحمه الأولى والأبدية.. الحكاية الشعبية، فمنها تحدرت ثيمةُ القصّ والروي الأولى بمعناها البكر، ومنها اشتُقت الأساليبُ، وأنواع الحوار، ومفهومات الأدب والنقد مثل: المتون، والهوامش، والحواشي، والانقطاع، والاسترسال، والوقف، والخواتيم، والنهايات، والتكرار الفني، وموت المؤلف، والطيّ، والبقع السحرية، والأرجوانية، والاستهلال، والإرجاع، والاستباق، والتثبيت، والتداخل، والطواف، والمداورة، وكسر أفق التوقع، والإيهام.. الخ.
الحكايةُ الشعبيةُ، ومن دون الإيغال في الحديث عن أساليبها المبسطة، أو قل الهشة التي عملت عليها يدُ البلى.. هي أمّنا جميعاً قراءً، وسامعين، وكتبة.. لهذا دعوني أختم هذه الأسطر التي دفعتها إليكم بجزء صغير من حكاية شعبية صغيرة أيضاً.. تمثيلاً وإدراكاً للغة والمعنى معاً.
تقول الحكاية، إن غولاً خرافياً شرب ماء الآبار المتناثرة قربَ طرقِ القوافل في الصحراء، فلم يبق منها سوى بئرٍ واحدةٍ فيها ماء كثير، لكن هذه البئر كانت محروسةً بالغول المخيفِ نفسِهِ؛ وبسبب العطش الشديد والحاجة الملحة للماء.. كانت القوافلُ تضطرُ إلى أن ترسلَ فرداً من أفرادها إلى تلك البئر رغم الخوف الشديد من الغول الرهيب.. طلباً للماء كي لا يهلكوا جميعاً من العطش.
كل الذين ذهبوا إلى البئر وجدوا الغول يجلس قرب فتحةِ البئرِ تمامً.. يمنعُ الورّادَ من أخذ الماء قبل أن يجيبَ عن سؤالٍ من أسئلته.. وغالباً ما كان الورّادُ يغيبُ غيبةً أبديةً عن قافلته التي تواصل مسيرها.. وقد يئست من عودته لقناعة صارت قارةً في الأذهانِ بأن الغول التهمه أيضاً.
والحق، أن جميع الورّادين هَلكوا عند تلك البئر بسبب عدم إجابتهم عن سؤال الغول. لذلك.. يظلُّ الحال طيَّ حزنها.. إلى أن يقوم حكيمُ إحدى القوافل فيندبُ نفسه لكي يكون ورّاداً للقافلة، ولكي يفكُّ لغزَ البئرِ التي ابتلعت الورّادين جميعاً. يمضي الحكيم نحو البئر، بعد طول ممانعةٍ من صحبه ومريديه، وحين يصلُ إليها، يرى الغول المخيفَ جداً يغلقُ فتحةَ البئر بجسده الضخم، وإلى يمينه امرأةٌ شقراء جميلة جداً، وإلى يساره امرأةٌ عبدةٌ سوداء، وحين يصير الحكيم في مواجهة الغول.. يهزُّ دلوه طالباً الماء، فيومئ إليه الغولُ بأن يتقدمَ، فيتقدم بحذر شديد، وحين يصير على مقربة منه.. يسأله الغول، وعيناه تقدحان الشرر:.
- أيها الشيخ، انصحني، أيّ المرأتين أحبُّ؟!
لحظتئذٍ، يدرك الشيخُ بحكمته أن تفضيلَ امرأةٍ على أخرى هو مكمنُ الهلاك لا محالة.. لذلك يقول للغول، وقد رأى فرق الجمال شاسعاً ما بين المرأتين:.
- يا سيد الماء،
اعذرني، لن أقول لك شيئاً..
سوى أحبب حبيبك ولو كان عبداً أسود!
عندئذٍ، يتوارى الغول، ويذوب.. مع المرأتين، وكأنهم طيف واختفى. وتنكشف فتحةُ البئر، فيتقدم الحكيم، ويملأ دلوه بهدوء، ويعود إلى القافلة، فيسقي أفرادها الذين فرحوا بنجاته!!
* كاتب فلسطيني يقيم في سوريا





التعليقات(0)
أضف تعليقك